أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
153
العقد الفريد
إن قوما لبسوا هذه المطارف « 1 » العتاق . والعمائم الرقاق ، ووسعوا دورهم ، وضيقوا قبورهم ، وأسمنوا دوابهم ، وأهزلوا دينهم ، يتكئ أحدهم على شماله ، ويأكل من غير ماله فإذا أدركته الكظّة قال : يا جارية ، هاتي هاضومك ! ويلك ! وهل تهضم إلا دينك ؟ لمالك : يحيى بن يحيى قال : جلس مالك يوما فأطرق مليّا ، ثم رفع رأسه فقال : يا حسرة على الملوك ! لا هم تركوا في نعيم دنياهم ، وماتوا قبل أن يموتوا حزنا على ما خلّفوا ، وجزعا مما استقبلوا ! وقال الحسن ، وذكر عنده الملوك : أما إنهم وإن هملجت « 2 » لهم البغال ، وأطافت بهم الرجال ، وتعاقبت لهم الأموال ، إن ذل المعصية في قلوبهم ؛ أبى اللّه إلا أن يذلّ من عصاه ! لعبد اللّه بن الحسن : الأصمعي قال : خطب عبد اللّه بن الحسن على منبر البصرة فأنشد على المنبر : أين الملوك التي عن حظّها غفلت * حتى سقاها بكأس الموت ساقيها بلاء المؤمن في الدنيا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « المؤمن كالخامة من الزرع : تميل بها الريح مرة كذا ومرة كذا ؛ والكافر كالأرزة المجدثة على الأرض يكون انجعافها مرة » . ومعنى هذا الحديث : تردّد الرزايا على المؤمن ، وتجافيها عن الكافر ليزداد إثما . وقال وهب بن منبه : قرأت في بعض الكتب : إني لأذود عبادي المخلصين عن نعيم
--> ( 1 ) المطارف : جمع المطرف ، وهو رداء أو ثوب من خز مربع ذو أعلام . ( 2 ) هملجت : سيرت سيرا حسنا في سرعة .